فؤاد ابراهيم
124
الشيعة في السعودية
لم تعمل مولّدات انشقاق أخرى داخل هذين الكيانين السياديين . إن انخراط المجتهدين في السياسة منذ نهاية القرن التاسع عشر ، أي مع الشيرازي ، قائد ما يعرف ب « ثورة التنباك » ، مرورا بالحركة الدستورية ، وثورة مصدّق - كاشاني ، وأخيرا الثورة الإسلامية بقيادة السيد الخميني ، جمع مراكز السلطة في نقطة واحدة ، ولكن في المقابل صنع توترات خارج هذه النقطة . تماما كما الحال بالنسبة إلى تجربة التوحّد الديني - السياسي في السعودية ، فبقدر ما حقق هذا التوحّد انتصارا باهرا في نجد ، قضى بدوره على التنافس داخل أسوار نجد وصهر ، في نهاية المطاف ، القوى القبلية والدينية كافة في وحدة دينية وسياسية ، ولكن هذا التوحّد واجه إخفاقا ذريعا خارج تلك الأسوار ، أي فشل في صنع وحدة وطنية . ولاية الفقيه المطلقة تنطوي على نزعة اختراقية تعلو فوق حدود الدولة - القطرية وسيادتها ، وهكذا حدود السلطات الدينية التقليدية الممثلة في مراجع التقليد - الفقهاء . بكلمات أخرى ، إذا كان وليّ الفقيه على رأس دولة فهو يخترق الأطر السيادية الأخرى ، أي سيادة الفقهاء المراجع ، وكذلك الدول . لقد نشأت إشكالية الولاية العامة والولاية الفرعية ، فصار لوليّ الفقيه على رأس الدولة ولاية مطلقة تمتد وتخترق الدوائر المرجعية داخل الحدود وخارجها على السواء ، بحيث يكون حكمه نافذا على عموم الشيعة ، بصرف النظر عن مراجع التقليد الذين يعودون إليهم في الأحكام ، ولذلك تمّ التفريق مع وصول السيد علي الخامنئي إلى سدّة المرجعية والولاية الفقهية والسياسية في إيران ، بين ولاية الأمر والمرجع الديني التقليدي . فالأخير له ولاية محصورة في المجال الفقهي الكلاسيكي ، أما وليّ الأمر فله سلطة عليا ( مولوية ) تعلو فوق كل السلطات بما فيها الدولة . ولكن هذه المفاهيم المستحدثة لم تكن تحظى بقبول سهل . وكغيرها من المفاهيم المثالية لم يكن بالإمكان إنجاز المفهوم الطموح في ظل تعارض ورفض من قبل المرجعيات الشيعية وخصوصا القائمة خارج الحدود التي لم تتوافق مع أطروحة وليّ الفقيه المطلق الصلاحية ، وخصوصا في مثال السيد الخامنئي كونه لم يحقق في ذاته الخصائص الكاريزمية كالتي حازها سلفه الإمام الخميني .